بوابة تغزوت

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي زائر
سنتشرف بتسجيلك
شكرا

ادارة المنتدي



زائر
 
الرئيسيةhichamاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلالبوابةدخول

شاطر | 
 

 سحر البيان عند وفيات الاعيان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
zidane hicham
zidane hicham
zidane hicham
avatar

ذكر الجزائر الدلو
عدد الرسائل : 203
نقاط : 594
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 25/11/2008

مُساهمةموضوع: سحر البيان عند وفيات الاعيان   الثلاثاء مايو 19, 2009 1:00 pm

سحر البيان ، عند وفات الأعيان


الإبداع الشعريّ حالةٌ خاصّةٌ تمتزجُ فيها حرارةُ العاطفةِ و رقّةُ البوح ِ ، معَ القدرةِ على سكب ِالمشاعر في قالب ٍ أدبيّ رفيع ، مقيّدٍ بضوابطَ تُمليها طبيعةُ الصّنعة ِالشّعريّة .

و الشاعر في هذه الحالةِ مهما استبدّ بهِ لاعجُ الحزن ِ أو خفّةُ السّرور ِ أو سَوْرةُ الغضَب ، لا ينفكّ عادةً عن اجتماع ِ الذّهن ِ و حضور ِ الفكر .

و لكن :

إلى أيّ مدىً يكونُ ذلك ؟

ربّما كانَ هذا السّؤال مُـحيـّراً أو غريباً ، و لكن لتقريبِ الفهم ِ نتساءل :

هل ستنبجسُ القريحةُ الشّعريّة في أصعبِ موقفٍ يتعرّضُ له المرء و هوَ : موقف المثول ِ بينَ يديّ الموت ؟

عندئذٍ :

أين سيكونُ اجتماعُ الذّهن و حضورُ الفكر و رباطةُ الجأش ، هل ستستقرّ مكانَها ، أو ستذهبُ في الشّتاتِ كلّ مذهب ، و تضيعُ في فضاءِ الفرَق ِ بَـدَدا ؟

سؤالٌ لا شكّ أنّه صعب ، و الإجابةُ عنهُ أصعب !

نفتحُ صفحةً في ديوان ِ العرب في محاولةِ استنطاق ِ التّجاربِ الثّريّةِ القابعةِ بين دفّتي هذا الديوان ، و كم يحوي هذا التّراثُ من كنوز ٍ أبكار .

يخبرُنا الإمام " التنوخي " في كتابِه " المُستجاد من فعلات الأجواد " (1) عن القاضي " أحمد بن أبي دؤاد " قوله :

ما رأيتُ رجلاً قطّ نزل به الموتُ ، و عاينه ، فما أدهشه ، و لا أذهله ، و لا أشغله عمّا كانَ أراده ، و أحبّ أن يفعلَه ، حتى بلغَه ، و خلّصه الله من القتل ، إلاّ " تميم بن جميل الخارجيّ " ، فإنّه كانَ تغلّبَ على شاطيء الفُرات ، فأخِذ ، و أتيَ بهِ إلى " المعتصم بالله " .

فرأيتُهُ بين يديْهِ ، و قد بُسطَ لهُ النّطع (2) و السّيف ، فجعل تميم ينظر إليهما ، و جعل المعتصم يُصعّد النّظرَ فيه ، و يصوّبه .

و كانَ تميمٌ رجلاً جميلاً ، و سيماً ، جسيماً ، فأرادَ المعتصم أن يستنطقَهُ ، لينظرَ أينَ جنانه و لسانه من مخبره .

فقال له المُعتصم : يا تميم ، تكلّم ، إن كان لكَ حجّة أو عذرٌٌ فابدِه .

فقال : أمّا إذ أذنَ أميرُ المؤمنينَ بالكلام ، فأقول : الحمدللهِ الذي أحسنَ كلّ شيءٍ خلقَه ، و قد خلقَ الإنسانِ من طين ، ثم جعل نسله من سلالةٍ من ماءٍ مهين ، يا أميرَ المؤمنين ، جبرَ اللهُ بكَ صدعَ الدّين ، و لمّ شعثَ المسلمين ، و أخمدَ بكَ شهابَ الباطل ، و أوضحَ نهجَ الحقّ ، إنّ الذنوبَ تخرسُ الألسنةَ ، و تعمي الأفئدةَ ، و أيمُ الله ، لقد عظمَت الجريرة، و انقطعتِ الحجّة ، و كبُر الجرم ، و ساءَ الظنّ ، و لم يبقَ إلاّ عفوُك ، أو انتقامُك ، و أرجو أن يكونَ أقربها منّي و أسرعهما إليّ ، أوْلاهما بإمامتكَ ، و أشبههما بخلافتِكَ ، و أنتَ إلى العفوِ أقرب ، و هوَ بكَ أشبهُ و أليق ، ثمّ تمثّل بهذهِ الأبيات :

أرى الموتَ بينَ السيفِ و النّطعِ كامناً *** يلاحظني من حيثُما أتلفّت

و أكـبـرُ ظـنّي أنّك الـيومَ قاتـلي *** و أيّ امريءٍ ممّا قضى اللهُ يُفلت

و من ذا الذي يدلي بعذرٍ و حجّةٍ *** و سيفُ المنايا بينَ عينيهِ مُصلت

و ما جزعي من أن أموتَ و إنّني *** لأعلمُ أنّ الموتَ شيءٌ موقّت

و لكن خلفي صـبـيـةٌ قد تركـتُـهم *** و أكبادهم من حـسـرةٍ تتفتّت

كأني أراهم حينَ أنــعى إليهمُ *** و قد خمّشوا حرّ الوجوهِ و صوّتوا

فإن عشتُ عاشوا سالمينَ بغبطةٍ *** أذودُ الأذى عنهم و إن مُتّ موّتوا

فـكم قائـلٌ لا يـبـعـدُ الله داره *** و آخـر جـذلان يـسـرّ و يـشـمتُ

قال : فتبسّم المعتصم ، ثمّ قالَ : أقولُ كما قالَ رسول اللهِ صلى الله عليهِ و سلّم : " إنّ من البيانِ لسحرا " . (3)

ثمّ قال : يا تميم كادَ و اللهِ أن يسبقَ السّيفُ العذل ، اذهبْ ، فقد غفرتُ لكَ الهفوةُ ، و تركتكَ للصّبية ، و وهبتُكَ للهِ و لصبيتِك .

ثمّ أمرَ بفكّ قيوده ، و خلعَ عليهِ ، و عقدَ له على ولايةٍ على شاطيءِ الفُرات ، و أعطاهُ خمسينَ الف دينار .

و يذكرُ العلاّمة " شوقي ضيف " رحِمه الله في كتابِه " العصر العبّاسي الثّاني " (4) أنّ " محمّداً بن البعيث " أحدَ الثّائرينِ على الدّولةِ العبّاسيّة هُزمَ ، ثمّ سيقَ مٌقيداً ذليلاً إلى الخليفةِ " المُتوكّل " الذي أمرَ بضربِ عنقه ، فطُرحَ على النّطع ، و جاءَ السّيّافون فلوّحوا لهُ بسيوفِهم ، و قال لهُ المتوكّل حانقاً غاضبا : ما دعاك يا محمّد إلى ما صنعت ؟

فأجابه : الشّقوة و أنتَ الحبلُ الممدود بينَ اللهِ و خلقه ، و إنّ لي فيكَ لظنّين أسبقُهما إلى قلبي أولاهما بك ، و هوَ العفو ، ثمّ اندفع ينشده :

أبى النّاسُ إلاّ أنّك اليومَ قاتلي *** إمامَ الهدى و الصّفح بالحرّ أجمل

و هل أنا إلاّ جُبلةٌ من خطيئةٍ *** و عفوُكَ من نورِ النبوّةِ يُجبلُ

تضاءلَ ذنبي عندَ عفوِكَ قلّةً *** فمن بعفوٍ منكَ و العفوُ أفضل

فإنّكَ خيرُ السّابقين إلى العُلا *** و لا شكّ أنْ خير الفعاليْن تفعل

فقال المُتوكّل : أفعلُ خيرَهما و أمنّ عليكَ ، ارجعْ إلى منزلكَ ، و خفّف عنهُ الحكمَ من الإعدامِ إلى الحبس و ظلّ فيهِ حتّى وافاهُ الموت .

و أضاف الدكتور شوقي ضيف مُعقّباً بعدَ هذا الموقفِ الفريد : " و بلغَ من ثباتِ جأشِه و جنانِه أن أنشدَ المتوكّلَ الأبياتَ السالفةَ وهوَ على النّطعِ و السيّافُ شاهرٌ سيفَه يريدُ أن ينقضّ عليهِ و أن يحزّ رأسه و يزهقُ روحَه ، و شررُ الغضبِ يتطايرُ من عينيّ المُتوكّل و قد انتفخت أوداجُه . و كأنّ ذلكَ كلّه لم يملأ نفسه خوفاً و لا هلعاً ، فظلّ رابطَ الجأش مجتمعَ القلب ، لا تخونه الكلمةُ في اللحظةِ الحرجةِ ، بل لا يخونه البيتُ الذي يستلّ الغضبَ من نفسِ المُتوكّل . و قد بلغَ منه مبلغاً خطيراً ، حتّى أوشكَ أن يقضيَ عليهِ قضاءً مبرماً . و هي قدرةٌ نفسيةٌ كانت تمتزجُ بقدرتِهِ البيانيّة " . ا هـ .

و غنيّ عن البيان ِ أنّ هذه الأبداعات الشّعريّة و ما جرى مجراها تفتّقت عن نفسيّةٍ ذليلةٍ مُستجديةٍ للعفو بإقرارِها بالخطيئةِ ، وملتمسةٍ للرّحمة بالإعتذارِ عمّا اقترفتُه من جريرةٍ استوجبت أشدّ العقوبات ، فكانَ حضورُ ذهنِ صاحبِها ملفتاً للنظر ، و مستدعياً للإعجاب و الإكْبار ؛ و لا غروَ أن سكبت تلكَ البلاغةُ الماءَ الباردَ على بركانِ الغضبِ ، و انتزعت خيارَ العفو ِ من فكِّ الأسدِ المُزمجر .

و لكن ّهناك َمن ْبلغَ من ثباتِ

جنانِه و رباطةِ جأشهِ و حضورِ ذهنِهِ مدىً أبعد ، لدرجةِ أنّهُ

انشغلَ في هذا المشهدِ العصيبِ بأمرٍ آخر ، فيتذكّرُ أحبابَه !

فينقلُ " ابن خلّكان " في كتابِه " وفيات الأعيان " (5) ، أنّ رجلاً قد تعيّنَ عليهِ القتلُ و حضرَ أهلُ القوَد بحضور" الحجّاج بن يوسف الثّقفي " ، فلمّا فُرشَ النّطعُ و سلّ السّيفُ اتّفقَ أن ملأ عينَه في حالِهِ تلكَ فرأى بريقَ السّيفِ و لمَعانَ برق ، فاستنظرَ ثمّ أنشد مرتجلاً :

تألّقَ البرقُ من نجدٍ فقلتُ له : *** يا أيها البرقُ إنّي عنكَ مشغول

يكفيكَ ما قد ترى من ثائرٍ حنقِ *** في كفّهِ كصبيبِ الماءِ مسلول !

فلمّا رأى الحجّاج ما كانَ من حضورِ ذهنه وجودةِ شعره عطفَ عليهِ إشفاقاً له و عرضَ على طالبيهِ أن يؤدّيَ عنه ديتَه ، فجعلوا يأبونَ و جعل يتولّج في تحليل القصّةِ و يتدرّج في تنفيسِ الدّيةِ حتّى بذل لهم دية ملك ، فلمّا أبوا و عتوا قال لحرسِه : فكّوا قيده و أخلوا سبيلَه فإنّ من لم ينسَ أحبّتَه في هذا المقام لجدير أن لا يُـقـتـل !

و بعد ؛ كما أنّ منَ القصائدِ ما أودَت بصاحبِها و أوردته مورادَ الهلَكَة ، فإنّ منها كذلكَ ما أنقذَت صاحبَها و أنجتهُ من الهلاك المُحقّق ، و إن كُنّا في هذهِ الأمثلةِ لا نحاكمُ هذا في عفوِهِ ، أو ذاكَ في عقوبتهِ ، فاللهُ وحده أعلمُ بعدالةِ هذا القرار ِ من إجحافِه ، و لكن في كلتا الحالتين يتجلّى لنا برهانٌ متجدّدٌ و دليلٌ لا يمكنُ دفعه بأنّ الإنسانَ يتأثّرُ بالكلمة ِ البليغةِ أيّما تأثّر ، فتذهبُ بهِ كلّ مذهب ، و بهِ تتأكّدُ الحقيقةُ الخالِدةُ القائلة " إنّ منّ البيان ِ لسحرا " .

و اللهُ المُوفّق .

منقول
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://dahara.yoo7.com
 
سحر البيان عند وفيات الاعيان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
بوابة تغزوت :: أدب وشعر :: التاريخ العالمي والإسلامي-
انتقل الى: